أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
307
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
البسطامي ، وغير ذلك من المشايخ قدس سرهم ، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم العلمية ، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع ، ظهر لي أن أخص خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبديل الصفات ، انتهى . قال : فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق أصعد منارة المسجد طول النهار وأغلق بابها على نفسي ، ثم تحركت بي داعية فريضة الحج إلى بيت اللّه تعالى والاستمداد من بركة مكة والمدينة وزيارة الرسول ( عليه الصلاة والسلام ) بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات اللّه عليه وعلى سائر الأنبياء . فسرت إلى الحجاز . قلت : ولعل حجه قد تكرر ، لأنه ذكر بعض المؤرخين أنه حج من العراق قبل إقامته بالشام . قال : ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن ، فعاودته ، بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه وآثرت العزلة به أيضا حرصا على الخلوة وتصفية القلب للذكر . وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعيشة تغير في وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة ، وكان لا تصفو لي الحال إلا في أوقات متفرقة ، ولكني مع ذلك لا أقطع طمعي عنها ، فتدفعني عنه العوايق وأعود إليها . ودمت على ذلك مقدار عشر سنين . وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن احصاؤها واستقصاؤها ، والقدر الذي أذكره لينتفع به ، اني علمت يقينا أن الصوفية ( هم ) السالكون بطريق اللّه تعالى خاصة ، وان سيرتهم أحسن السير ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلى الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه ، لم يجدوا إليه سبيلا ، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . وبالجملة ، فماذا يقول القائل في طريقة طهارتها تطهر القلب بالكلية عما سوى اللّه تعالى ، وتحريمتها استغراق القلب بذكر اللّه تعالى ، وآخرها الفناء بالكلية في اللّه تعالى ، وهذا آخرها ، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكشف من أوائلها ، وهو على التحقيق أول الطريقة ، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه ، ومن أول الطريقة تبتدئ